الطب النووي لدى الأطفال: هل هو آمن؟ مراجعة علمية للأمان، الاستخدامات، ومخاوف الأهل

عندما يتعلق الأمر بإجراء الفحوصات والتصوير الطبي للأطفال، فإن قلق الأهل يُعد أمرًا طبيعيًا تمامًا، ويزداد هذا القلق عند سماع مصطلحات مثل «الإشعاع» أو «المواد المشعة». يُعد الطب النووي لدى الأطفال أحد الفروع المتخصصة والمهمة في الطب الحديث، حيث يلعب دورًا حيويًا في تشخيص وعلاج العديد من الأمراض عند الأطفال. لكن يبقى السؤال الأهم:
هل الطب النووي آمن للأطفال؟

الجواب العلمي المختصر هو: نعم، يُعد الطب النووي آمنًا للأطفال عند الالتزام بالمعايير والبروتوكولات الدولية المعتمدة. في هذا المقال نستعرض بشكل شامل الجوانب المتعلقة بالأمان، الاستخدامات الطبية، جرعات الإشعاع، والتدابير الوقائية، مع الإجابة عن أبرز مخاوف الأهل.

ما هو الطب النووي وما الذي يميّزه عن وسائل التصوير الأخرى؟

الطب النووي هو أحد أساليب التصوير الطبي الذي يركز على تقييم الوظائف الحيوية والتمثيل الغذائي للأعضاء بدلًا من دراسة شكلها التشريحي فقط. ويعتمد على استخدام كميات صغيرة جدًا من المواد المشعة تُعرف بالأدوية المشعة، والتي تتجه بشكل انتقائي إلى العضو المراد فحصه.

الفرق بين الطب النووي ووسائل التصوير الأخرى

  • التصوير المقطعي المحوسب (CT): يقيّم البنية التشريحية باستخدام الأشعة السينية

  • التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI): يقدّم صورًا عالية الدقة دون استخدام إشعاع مؤين

  • الطب النووي: يقيّم الوظيفة العضوية على المستوى الخلوي

في كثير من الحالات عند الأطفال، تظهر الاضطرابات الوظيفية قبل التغيرات التشريحية، مما يجعل الطب النووي أداة تشخيصية بالغة الأهمية.

أهمية الطب النووي في تشخيص أمراض الأطفال

يواجه الأطباء صعوبة أحيانًا في تشخيص أمراض الأطفال بدقة بسبب عدم قدرة الطفل على التعبير عن الأعراض بشكل واضح. وهنا تبرز أهمية الطب النووي في توفير تشخيص مبكر ودقيق وغير تدخلي.

أهم استخدامات الطب النووي لدى الأطفال

  • تقييم وظائف الكلى (مسح DMSA وMAG3)

  • تشخيص الارتجاع البولي

  • الكشف عن التشوهات الخلقية في الجهاز البولي

  • تشخيص التهابات وأمراض العظام

  • تقييم حالات الصرع المقاوم للعلاج

  • تشخيص اضطرابات الغدة الدرقية

  • كشف البؤر الالتهابية أو الإنتانية غير الواضحة

في كثير من هذه الحالات، لا توجد وسيلة بديلة بنفس الدقة والفعالية.

مخاوف الأهل من الإشعاع: ماذا يقول العلم؟

أبرز مخاوف الأهل تتعلق بجرعات الإشعاع وتأثيرها المحتمل على صحة الطفل على المدى البعيد. وهذه المخاوف مشروعة، نظرًا لحساسية أجسام الأطفال للإشعاع مقارنة بالبالغين.

الحقيقة العلمية حول جرعات الإشعاع

  • جرعات الإشعاع في الطب النووي للأطفال منخفضة جدًا

  • يتم تحديد الجرعة بدقة وفق وزن الطفل وعمره ونوع الفحص

  • غالبًا ما تكون الجرعة أقل من أو مساوية لجرعة التصوير المقطعي

  • تُطرح الأدوية المشعة من الجسم خلال فترة قصيرة

مبدأ ALARA وأهميته في الطب النووي للأطفال

يُطبّق في الطب النووي للأطفال مبدأ عالمي يُعرف باسم ALARA (As Low As Reasonably Achievable)، أي الحفاظ على جرعة الإشعاع بأدنى مستوى ممكن دون التأثير على جودة التشخيص.

كيف يُطبّق مبدأ ALARA؟

  • استخدام أقل جرعة فعّالة من الدواء المشع

  • ضبط الأجهزة خصيصًا للأطفال

  • تقليل زمن التصوير

  • الاعتماد على تقنيات حديثة عالية الحساسية

هل الأدوية المشعة آمنة للأطفال؟

الأدوية المشعة المستخدمة في فحوصات الأطفال:

  • مصممة لتكون انتقائية وذات أمان عالٍ

  • تُعطى بجرعات صغيرة جدًا

  • يتم التخلص منها سريعًا عبر البول أو البراز

  • لا تمتلك سمّية دوائية

ويُعد نظير التكنيشيوم-99m من أكثر المواد المشعة أمانًا واستخدامًا في طب الأطفال.

هل يزيد الطب النووي من خطر الإصابة بالسرطان مستقبلًا؟

تشير الدراسات الوبائية الواسعة إلى أن:

  • خطر الإصابة بالسرطان نتيجة الجرعات التشخيصية في الطب النووي منخفض جدًا

  • الفائدة التشخيصية تفوق بكثير أي خطر محتمل

  • تأخير أو عدم تشخيص المرض قد يؤدي إلى مضاعفات أخطر

بناءً على ذلك، يُعتبر الطب النووي خيارًا تشخيصيًا مبررًا وآمنًا عند وجود داعٍ طبي واضح.

الفرق بين جرعات الأطفال والبالغين

من المفاهيم الخاطئة الشائعة أن الأطفال يتلقون نفس جرعات الإشعاع المخصصة للبالغين، بينما في الواقع:

  • توجد جداول جرعات خاصة بالأطفال

  • تُحسب الجرعة بشكل فردي لكل طفل

  • يتم تعديل البروتوكول حسب العمر والوزن

وهذا ما يضمن أعلى مستوى من الأمان.

تهيئة الطفل قبل الفحص النووي

تلعب تهيئة الطفل دورًا مهمًا في نجاح الفحص وتقليل القلق:

  • شرح الإجراء بلغة بسيطة

  • السماح بوجود أحد الوالدين

  • استخدام وسائل إلهاء مناسبة

  • اللجوء إلى مهدئات خفيفة عند الضرورة وتحت إشراف طبي

تُسهم هذه الخطوات في تقليل حركة الطفل وتحسين جودة الصور.

دور الطبيب المختص في الطب النووي للأطفال

يتطلب تفسير الفحوصات النووية لدى الأطفال خبرة خاصة في فسيولوجيا وأمراض الطفولة. ويساعد ذلك في:

  • تجنب التشخيص الخاطئ

  • تقليل الفحوصات غير الضرورية

  • اختيار أنسب وسيلة تصوير لكل حالة

مقارنة الطب النووي بوسائل التشخيص الأخرى

في بعض الحالات، قد تكون البدائل مثل التصوير المقطعي ذات جرعة إشعاعية أعلى ولا توفّر معلومات وظيفية دقيقة، مما يجعل الطب النووي:
خيارًا أكثر أمانًا ودقة في آنٍ واحد.

أسئلة شائعة لدى الأهل

هل يحتاج الطفل إلى دخول المستشفى؟
غالبًا لا، معظم الفحوصات تُجرى بشكل خارجي.

هل يشكّل الطفل خطرًا إشعاعيًا على من حوله؟
لا، الجرعات منخفضة ولا تُشكّل خطرًا على العائلة.

هل يجب تكرار الفحص؟
يُعاد الفحص فقط عند وجود ضرورة طبية واضحة.

الخلاصة

يُعد الطب النووي لدى الأطفال، عند تطبيقه وفق المعايير الطبية المعتمدة، وسيلة تشخيصية آمنة وفعّالة وذات قيمة عالية في الكشف المبكر عن العديد من الأمراض. إن استخدام جرعات منخفضة من الإشعاع، وأدوية مشعة آمنة، وتقنيات حديثة، إلى جانب إشراف أطباء متخصصين، يجعل هذا المجال من أكثر فروع التصوير الطبي أمانًا للأطفال.

إن قلق الأهل مفهوم، إلا أن الأدلة العلمية تؤكد أن فوائد الطب النووي للأطفال تفوق بكثير أي مخاطر محتملة، وأنه في كثير من الحالات يلعب دورًا حاسمًا في إنقاذ حياة الطفل وتحسين جودة علاجه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *